2010/08/19

فرقه المصريين



حفل فرقه المصريين غدا بقصر الامير طاز 

مجانا

عارفين لما يبقى فيه موضوع معين و عدا عليه سنين، ثم ثبتت صحة وجهة نظركم بعدها ...
أكيد ساعتها حتقولوا "ما انا قلت كده برضه من الأول"، و تعلو طبقة صوتكم أكثر كل ما كانت السنين التى مرت، حتى "اتـنـصف" رأيكم، أطول.
تخيلوا بقى لو الموضوع ده مرت عليه حوالى 25 سنه .. تفتكروا زعيقكم حيوصل لأى مدى.
أنا حصل لى الموقف ده اثناء مشاهدتى لعرض يوم السبت الماضى فى ساقية الصاوى، و كان العرض لفرقة المصريين بقيادة هانى شنوده، بعد نزولهم مره ثانية للساحه بعد ما غابوا و "خليوا" بينا ...
فقد كنت اظن ان

كل الحاضرين كده من سنى، و اللى اصغر ممكن يستغربوا منى إكمنى، بحضر لفرقه مش مشهوره، ولا فى الصوره، ولا فيها نجم مز عينيه سوده. و لكننى فوجئت بتباين رهيب فى اعمار الحاضرين ... فقد كان هناك عيال و مراهقين و ... مرهقين.


لقد إجتمع فى نفس المكان مراهقى الأعمار و القلوب على حب موسيقى هذه الفرقه ... و علشان كده كنت حطلع على المسرح و اخطف الميكروفون و اقول "ما انا قلت من الأول برضه كده" ... و الدليل أهوّه، ناس بتسمعهم لأول مره و بتبتدى تكون معاهم ذكريات المراهقه، يعنى الفن الجميل الحقيقى لا يرتبط بعمر أو بتاريخ او جغرافيا، فهو يدخل اى قلب مادام صاحبه من الكائنات الإنسانيه الحيه،
و بالفعل فرقة المصريين تقدم فناً خفيفاً على القلب، يبقى فيه و ينعشه و لا يثقله ... بل يزيح عنه تجاعيداً كثيرة رسمتها مسببات الشيخوخه النفسيه. فموسيقاهم رائقه و سلسه و لا تشوبها اى شائبة تجاريه ... و الإيقاع يكون لهز العقل و القلب و ليس الوسط، و بالتالى جاء فنهم اكثر نقاءاً و صفاءاً و تميزاً و دواماً عن غيرهم.
من حوالى 25 سنه عملوا مقلب فينا ... فاكر تفاصيله و كأنه الويك إند اللى فات بالظبط. يومها إيمان يونس قال اييييه قررت تعتزل ؟؟؟ ... و تفتكروا مين اللى كان بيتحايل عليها تكمل .. صلاح جاهين ذات نفسه، احد دعائم الفرقه و كاتب العديد من أغانيها. و اتذكر فى حديث تليفزيونى له قال فيه بالنص: "إيمان كانت عامله زى العيال لما تتحايل عليهم و هما يقولوا لللللللأ ... ياستى يهديكى يرضيكى ... للللللللأ".



فجأه يا أخواتى المتذوقين و المتعطشين للنغمه الحلوه اللى من المنبع و من غير فلسفه فارغه، فجأه إختفى "المصريين" من حياتنا ... و بقينا بلا شنوده ولا يونس يباركوا أذاننا بأعذب موسيقى. و فجأه بقينا بـ "نجتر" اغانيهم القليله (6 البومات حيله) و نعيد و نزيد فى ماشية السنيوره و الشوارع حواديت و ماتزعلوش يا بنات و ولد و بنت و بلاش تعقيد و ماتفكريش و احساس و غنوا للحياه و حتى ميكى ماوس ... و ... و ... واااااء .. ليه كده يا ايمان ؟؟؟

اثناء استماعى فى الحفل لإبداعاتهم القديمه و الجديده، مثل "قسم النيل" التى تشعر ان الحانها فرعونيه و رائقه مثل قطرات النيل الطاهره، كنت خلالهافى حالة من النشوة نادرا ما يصل اليها أى انسان بدون "مساعدات خارجيه" ... و شعرت ان غدة المزاج كانت تعمل على اشدها، و التصفيق كان يصدر من انقباضات القلب قبل التقاء اليد اليمنى باليسرى.
إيمان يونس لها صوت فريد يجمع بين البراءه و الطهاره و الشقاوه و العفرته و العذوبه و الحنان و ... الجنان، نعم هى صوت فيه جنون الفن و جماله. تميزه من بين مليون صوت، و يجمع، من وجهة نظرى المتواضعه، بين صوتى عفاف راضى و نجاة الصغيره ... فانت تتمايل طربا و يخفق قلبك اعجابا و تنتفض من الخامه القويه الصافيه.
فكرت اثناء الحفل فيما لو استمرت ابداعاتهم على الساحه طوال هذه الفتره، كيف سيكون حال دنيانا الموسيقيه،


و بالتالى اليوميه ... بالتأكيد كان وجودهم، و لو على نطاق ضيق، سيفرق كثيراً فى تطور، او بمعنى اصح وقف تدهور موسيقانا المعاصره، على الأقل كانوا حيبقوا واحه للراحه من صخب ريتمات فاست فوود مشبعه و لكنها غير مغذيه.

فكرت ايضاً فى الفرص التى تجاهلتها لحضور حفلات سابقه للمصريين بعد إعادة تجميعهم، لقد تجاهلتها عامداً لأنى كنت زعلان منهم على فراقنا ... حتى قررت اخيراً أن احضر و اشوف حيصالحونى ازاى.
المصالحه كانت بإستعادتهم للروح القديمه بمنتهى السهوله و بتقديمهم لثلاثة مواهب جديدة، إثنان منهم صارا اعضاءاً دائمين فى الفرقه ...
الأول هو فادى الفى، مطرب يتميز بإحساس عالى و صوت نقى و سالك ... غنى "مسألة السن" بأسلوب هادىء لكونها اغنية تحكى صراعا داخليا، و بالتالى ظهر و كأنه يغنى لنفسه .. و هو المطلوب تماما فى هذه الأغنيه. و قد يعيبه فقط خجله و افتقاده للحضور القوى على المسرح، بس كله بييجى بالتمرين أو بالنوفالجين، و هو يحتاج للكثير من الأول حتى يريحنا من خطورة بلبعة الثانى من سماع أغلب المطربين الحاليين.
الثانى هو ايمن سردار ... حضور قوى للغايه و كاريزما عاليه، يسرق عينيك و عنده احساس عالى بالكلمات و يؤدى بمنتهى البساطه و القوه، صوته يختلف فى قماشته تماما عن فادى الفى، و قد ابدع فى اغنية "بحبك لا محتاج لك أه" أكثر بكثير من "علمونى عينيكى" رائعة محمد منير، و هى لحن هانى شنوده على فكره ... فهو يليق عليه أكثر الأغانى الشقيه فى كلماتها و الاسرع و الانشط ريتماً.

الثالث هو عضو "تحت التأسيس" فى الفرقه، و ليلتها كان ظهوره الأول على المسرح ... إسمه أحمد نور، و قد تدرب كما علمت لاحقاً فى اكاديميه موسيقيه تديرها ايمان يونس. غنى اغنية "8 ديسمبر"، إحدى ابداعات الفرقه، و هى أغنية تمتلىء بالأحاسيس المتباينه بين عشق و فراق و ذكرى سعيده و حارقه ... و قد طوع أحمد نور حنجرته لنقل كل هذه الأحاسيس بمنتهى المقدره. بدأ اداءه هادئاً ليتناسب مع صوت حبيب يقتات على ذكراه، ثم إرتفع بالصوت و الإحساس و ادخلنا معه فى الأغنيه فثبتنا فى اماكننا من قوة الكلمات و اللحن و ... الحنجره.
اعضاء الفرقه على المسرح يحملون سمات اطفال يرون المراجيح لأول مره، و اولهم ياختى كميله ايمان و العكروت الصغير هانى إبن انكل شنوده ... فقلوبهم بريئه و مناغشاتهم مع بعض مسخره، و هانى ساعات بيسيب الأورج تماما و يرقص و يصفق مع الإيقاع و كأنه بيسمعه لأول مره.
و طبعاً هاص معاهم أيمن سردار ... فالشقاوه لعبته كما هو واضح، و شاركهم عازف البريكاشنز من بعيد لبعيد بمناغشات على الطبله، و معه احيانا عازف الدرامز. اما اللذيذ الرايق ابو دماغ عاليه عازف الجيتار، فكان مبسوط بوجوده معاهم قوى .. بس انفعالاته كلها كانت داخليه، هو و عازف الكمان الأكثر من رائع، و الذى فيما يبدو كان نفسه يشاركهم الشقاوه و لكن اكتفى بشقاوة عزفه احيانا و ليس بتصرفاته.
لقد قدموا لنا وجبة شهيه من بعد طول مجاعه ... ماشيه السنيوره و بنات كتير و و ماما ستو و خالدة الذكر ما تزعلوش يا بنات و قسم النيل و انا كل ما اقول التوبه (لعبد الحليم حافظ) ... ثم أتت اغنية "يابوى يا مصر أما الواحد بيحبك حب"..

إيه عبقرية كلمة "يابوى" دى ؟؟؟ كلمة مؤثرة للغايه و أدمعت اعين حاضرين كثيرين لا اخجل فى كون عيناى من ضمنهم، و الفرقه كلها كانت بتعصر قلوبنا و هى بتقول الكلمه دى ... بتمد فى حروفها طويلاً يمكن نحس بيها و بجمالها و بإشتياقها للى بيحبوها ..
يا بوى على روعة هذه الأغنية.
انتهت الحفله فجأه و لم و لن ينتهى تأثيرها ... و الجمعه الجايه 20/08/2010 سيؤدون فى قصر الأمير طاز (بالألف زى ما اصر هانى على تحفيظنا) ... و ارجو من كل من يعشق الكلمه الحلوه و الموسيقى الصافيه ان يحضر هذه الحفله.
الفرقه دى سابتنا و احنا محتاجين لها، و لكنها صالحتنا بعودتها ... و دلوقتى هى محتاجه لنا و لأجيال جديده تعيش على رحيقها.
سماح النوبه يا مصريين ... بس ما تقولوش تانى لأ و خليكوا حاضرين، و ماتمشيش تانى يا سنيوره و النبى، و خليكى مع بنات و ولاد كده من سنك و اصغر بيحتاجوا لصوتك و لموسيقى هانى شنوده البريئه الجميله البسيطه العميقه.






يتبقى موقف شخصى ترددت فى كتابته و لكن العشره معكم اجبرتنى على عدم كتمانه:
أثناء الحفل ابنى الصغير فجأه فصل شحن ... و نام على رجلى مستسلماً لحق البدن.
فى اللحظات التاليه كان نصفى الأسفل يعيش لحظه من الذ لحظات الأبوه، تزيح الكثير من اعباءها و تخفف من هموم متطلباتها، بينما نصفى الأعلى كان يعيش المراهقه بأرقى صورها مع كل نغمه من نغمات الأغانى المتوالية ...
لو كان جنبى ساعتها دكتور نفسانى كان عمل علىّ رسالة دكتوراه أو بحث علمى يكشف طبيعة الإنسان الغامضه ... فأنا اب و مراهق و كمان فى لحطة بغنى اغنيه بناتى جدا و هى "ماشيه السنيوره"، على الرغم من طبيعتى الذكوريه الصلعا .. عفوا الواضحه.
أكيد كان حيقول لى ساعتها "إنت مين بالظبط فى دول، شيزوفرانيا دى ولا جنون؟" ...
بس الرد البسيط إن هى دى الموسيقى فى انقى صورها .. تحولك لكائن انسانى لا يرتبط بأى قيود جغرافيه او تاريخيه أو يعترف بأى مقاييس جنسيه او قياسيه ... فقلوبنا كلنا تنبض بنفس النبضه و النغمه.
أسيبكم بقى مع احلى الاغانى اللى ممكن تتغنى:
الشوارع حواديت:
صلاح جاهين ... ايام ما كان فيه مصريين. اداها جاهين بصوته. اللحن و الاداء فيه احترام لا نهائى للكلمات و معناها ... يخرب بيت جمالها و قوتها فى : " الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان ... كل يوم يضيق زيادة عن ما كان ... اصبح الآن بعد ما كبرنا عليه ... زي بطن الأم مالناش فيه مكان".


فادى رمزى








No comments: